د. عصام البرّام
في العقود الأخيرة، تصاعد حضور مشاريع إحياء التراث في الخطاب الثقافي العربي، متخذة أشكالا متعددة تمتد من إحياء اللغة والتراث المعماري، إلى استدعاء الأزياء والفنون والعادات، بل وحتى النظم الفكرية والسياسية القديمة. وغالبا ما تُقدَّم هذه المشاريع بوصفها استجابة ضرورية لأزمات الهوية، وضغوط العولمة، وتآكل الخصوصية الثقافية. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نحن أمام إحياء حقيقي للتراث، أم مجرد إعادة إنتاج له بصيغ جديدة قد تُفرغه من معناه وتحوّله إلى سلعة أو خطاب أيديولوجي مغلق؟
يُعد التراث، في جوهره، نتاجا تاريخيا مركبا تشكل عبر تفاعل طويل بين الإنسان وواقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهو ليس كتلة جامدة يمكن نقلها من الماضي إلى الحاضر دون خسائر أو تشوهات. فالتراث يحمل في داخله عناصر حيوية قابلة للتجدد، كما يحتوي على مكونات تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة على الاستجابة لأسئلة العصر. من هنا، فإن أي حديث عن “إحياء التراث” يفترض وعيا نقديا يميز بين ما يمكن استثماره بوصفه طاقة ثقافية، وما ينبغي تجاوزه بوصفه جزءا من سياق تاريخي منقضٍ.
لكن كثيرا من مشاريع إحياء التراث تتعامل مع التراث بوصفه ملاذا آمنا، أو هوية مكتملة جاهزة للاستهلاك، لا بوصفه موضوعا للتفكير والمساءلة. ففي هذا السياق، يتحول الإحياء إلى إعادة إنتاج، حيث يُستدعى الماضي لا ليُقرأ قراءة جديدة، بل ليُعاد تقديمه كما هو، أو كما نتخيله، في صورة مثالية منزوعة من تناقضاتها وصراعاتها. وغالبا ما يتم هذا الاستدعاء بدافع القلق من الحاضر، لا بدافع الفهم العميق للماضي.
إن إعادة إنتاج التراث بهذا المعنى لا تختلف كثيرا عن استنساخه، فهي تكتفي بإعادة تدوير الأشكال والرموز دون مساءلة المضامين. فنرى مثلا إحياء العمارة التقليدية في بعض المدن العربية عبر واجهات شكلية تحاكي الطراز القديم، بينما تُبنى هذه العمارات وفق منطق استهلاكي حديث لا يمت بصلة للروح الاجتماعية والبيئية التي أنتجت ذلك الطراز أصلا. وهنا يصبح التراث قناعا جماليا، لا نظاما معرفيا أو إنسانيا متكاملا.
الأمر نفسه ينطبق على الفنون والآداب، حيث يُحتفى أحيانا بإعادة إنتاج أنماط شعرية أو موسيقية قديمة دون إدخال أي أفق تجريبي أو نقدي. ويُنظر إلى أي محاولة للتجديد بوصفها خروجا عن “الأصالة”، وكأن الأصالة قيمة ثابتة لا تتغير. في حين أن التاريخ الثقافي نفسه يثبت أن ما نعده اليوم تراثا كان في زمنه فعلا تجديديا، بل وربما صادما للسائد.
تكمن إشكالية مشاريع إحياء التراث أو العودة الى الجذور والاصول، أيضا في بعدها الأيديولوجي. فالتراث يُستخدم في كثير من الأحيان كأداة لبناء خطاب هوياتي مغلق، يُقصي الاختلاف ويُضفي قداسة على الماضي. وبدلا من أن يكون التراث مجالا للحوار والتعدد، يتحول إلى مرجعية نهائية تُستخدم لتبرير مواقف سياسية أو اجتماعية معاصرة. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال: كيف نفهم تراثنا؟ بل: كيف نُسخّره لخدمة حاضرنا كما نريده، لا كما هو فعلا.
ولا يعني هذا النقد الدعوة إلى القطيعة مع التراث أو التقليل من قيمته، بل على العكس، هو دفاع عن التراث بوصفه كيانا حيا لا يمكن حمايته إلا عبر إعادة قراءته قراءة تاريخية وعقلانية. فالإحياء الحقيقي للتراث لا يكون بإعادته إلى الحياة كما كان، بل بإدخاله في حوار مع الحاضر، واختباره على ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. وهذا يتطلب شجاعة فكرية للاعتراف بأن بعض عناصر التراث لم تعد صالحة، وأن بعضها الآخر يحتاج إلى تأويل جديد.
إن الفرق بين الإحياء وإعادة الإنتاج يكمن في طبيعة العلاقة مع الماضي. فالإحياء يفترض مسافة نقدية، ووعيا بأننا أبناء زمن مختلف، بينما إعادة الإنتاج تلغي هذه المسافة وتتعامل مع الماضي بوصفه نموذجا مكتمل الصلاحية. الإحياء فعل إبداعي يضيف إلى التراث، أما إعادة الإنتاج فهي فعل تكراري يعيد تدويره دون إضافة حقيقية.
كما أن الإحياء الحقيقي يفتح أفقا للمستقبل، في حين أن إعادة الإنتاج غالبا ما تُقيّد الحاضر وتحبسه في قوالب قديمة. فحين يُفرض التراث بوصفه معيارا وحيدا للشرعية الثقافية، يُغلق الباب أمام الابتكار والتنوع، ويُختزل الإبداع في محاكاة ما سبق. وهنا يصبح التراث عبئا بدل أن يكون رافعة.
لا يمكن تجاهل أيضا البعد الاقتصادي لمشاريع إحياء التراث، حيث يتحول التراث في كثير من الأحيان إلى منتج سياحي أو تجاري. ورغم أن هذا البعد قد يسهم في الحفاظ على بعض العناصر التراثية، إلا أنه يحمل خطرا حقيقيا يتمثل في تسليع الثقافة، وتحويلها إلى عرض استهلاكي مفرغ من عمقه الرمزي. فحين يُختزل التراث في مشهد فولكلوري، يُفقد قدرته على مساءلة الواقع وإثراء الوعي.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التراث والحداثة، بل في القدرة على بناء علاقة جدلية بينهما. فالمجتمعات التي استطاعت أن تحافظ على هويتها لم تفعل ذلك عبر الانغلاق على الماضي، بل عبر استيعابه وإعادة صياغته ضمن مشروع حضاري متجدد. وهذا ما نفتقده في كثير من مشاريع إحياء التراث التي ترفع شعار الأصالة، لكنها تعجز عن إنتاج رؤية مستقبلية.
من هنا، يمكن القول إن السؤال ليس: هل نعود إلى التراث أم لا؟ بل: كيف نعود، ولماذا، وبأي أدوات معرفية؟ فإحياء التراث فعل نقدي بالضرورة، يتطلب فهما تاريخيا، وحساسية ثقافية، وقدرة على التمييز بين ما هو إنساني عام، وما هو ظرفي خاص. أما إعادة إنتاجه دون مساءلة، فهي قد تمنحنا شعورا زائفا بالاستقرار، لكنها لن تساعدنا على مواجهة تحديات الحاضر أو بناء مستقبل أكثر اتساعا.
إن التراث لا يُنقذ بالتقديس، ولا يُفهم بالتكرار، بل يُحيى حين يصبح جزءا من حركة الفكر، وحين يُعامل بوصفه سؤالا مفتوحا لا جوابا نهائيا. وبين إحياء التراث وإعادة إنتاجه، تتحدد ملامح وعينا الثقافي، وقدرتنا على أن نكون أوفياء للماضي دون أن نكون أسرى له.
ويمكن تعميق هذا النقاش أكثر إذا انتبهنا إلى أن أزمة التعامل مع التراث ليست أزمة معرفة فحسب، بل هي أيضا أزمة ثقة بالذات وبالقدرة على الإبداع. فكثير من مشاريع إحياء التراث تنطلق من افتراض ضمني مفاده أن الماضي كان أفضل بالضرورة، وأن الحاضر فقير أو عاجز عن إنتاج قيمه الخاصة. هذا الافتراض لا يظلم الحاضر فقط، بل يسيء إلى التراث ذاته، لأنه يحوّله إلى تعويض نفسي عن الإخفاق، لا إلى مصدر إلهام معرفي. فالتراث في هذه الحالة يُستدعى ليملأ فراغا، لا ليُسهم في بناء مشروع ثقافي واعٍ.
كما أن هذا الميل إلى تمجيد الماضي يُغفل حقيقة أن التراث الذي نحتفي به اليوم لم يكن واحدا ولا منسجما، بل كان ساحة صراع بين رؤى واتجاهات متعددة. فاختزال التراث في قراءة واحدة “نقية” أو “صحيحة” هو في حد ذاته فعل إعادة إنتاج انتقائي، يُقصي أصواتا وتجارب كانت جزءا أصيلا من ذلك الماضي. وبهذا المعنى، فإن كثيراً من مشاريع الإحياء لا تُعيد التراث كما كان، بل كما نرغب أن يكون، أي تراثا مُفلترًا، منزوع التعدد، ومهيأ لخدمة سردية معاصرة بعينها.
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في المجال التعليمي والإعلامي، حيث يُقدَّم التراث أحيانا بوصفه مجموعة من الحقائق الثابتة التي ينبغي حفظها، لا مادة حية للنقاش والتفكير. وبدلا من تدريب الأجيال الجديدة على قراءة النصوص التراثية في سياقاتها التاريخية، يُطلب منها التعامل معها كمرجعيات مكتملة لا تقبل السؤال. وهنا يتحول “الإحياء” إلى نوع من التحنيط الرمزي، يحفظ الشكل ويقضي على الروح.
إن تجاوز هذا المأزق يقتضي إعادة تعريف معنى الوفاء للتراث. فالوفاء لا يكون بالتكرار ولا بالمحاكاة، بل بالقدرة على الاستمرار في طرح الأسئلة التي طرحها أسلافنا بطرق جديدة، وفي سياقات مختلفة. فالتراث، حين يُفهم على هذا النحو، لا يعود حملا ثقيلا ولا مرجعا مغلقا، بل يصبح رصيدا مفتوحا، يسمح لنا بأن نكون امتدادا نقديا للماضي، لا نسخة مكررة عنه. وبهذا فقط يمكن لمشاريع إحياء التراث أن تتحول من إعادة إنتاج عقيمة إلى إحياء فعلي يثري الحاضر ويمنح المستقبل معنى.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
