🖋️ بن عبدالرحمن في عالمٍ إعلامي تهيمن عليه السرديات الكبرى، ويختلط فيه الرأي بالخبر، يبرز اسم Tucker Carlson كأحد أكثر الأصوات إثارة للجدل في المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي خلال العقدين الأخيرين. رجلٌ لم يكتفِ بالجلوس خلف الطاولة، بل قرر أن يقلبها، أو على الأقل أن يشكك في ثوابتها.
منذ بداياته في تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بمحطته المؤثرة في CNN، ثم صعوده الصاروخي في Fox News، وصولًا إلى خروجه المفاجئ من الشبكة وهو في ذروة جماهيريته، ظل كارلسون نموذجًا لصحفي يرى أن مهمته الأولى ليست “الحياد”، بل “عدم الكذب”.
من الحياد إلى “عدم الكذب”
كارلسون، الذي بدأ مسيرته الصحفية عام 1991 بالتزامٍ تقليدي بمفهوم الحياد، يقول إن تجربته الطويلة غيّرت قناعاته. لم يعد يرى أن الصحفي مطالب بأن يكون “محايدًا” بقدر ما هو مطالب بأن يكون صادقًا.
من وجهة نظره، المشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في وجود خطوط حمراء غير معلنة تمنع طرح أسئلة معينة:
•لماذا تبقى القوات الأمريكية في بعض مناطق العالم؟
•لماذا تُتخذ قرارات الحرب دون نقاش شعبي حقيقي؟
•من يحدد السردية الإعلامية الكبرى؟
بالنسبة له، مجرد طرح هذه الأسئلة كان كافيًا ليضعه في صدام مباشر مع المؤسسة السياسية والإعلامية في بلاده.
“الدولة العميقة” والنخبة… قراءة في بنية السلطة
كارلسون لا يؤمن بنظرية مؤامرة تقليدية، لكنه يؤمن بوجود “نخبة حاكمة” تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي. يرى أن كل دولة تملك طبقة عليا مؤثرة، سواء كانت ملكية واضحة المعالم أو شبكة مصالح اقتصادية وأمنية.
ويشبه الدولة بالشركة الكبرى:
المساهمون الكبار هم من يملكون الصوت الأعلى، لا الناخب العادي.
هذا الطرح، الذي يتقاطع مع أطروحات نقدية للمنظومة الليبرالية الغربية، جعله في موقع المواجهة مع كثير من زملائه في الإعلام الأمريكي.
تجربة الإقالة… لحظة مفصلية
بلغ كارلسون ذروة تأثيره حين قدّم البرنامج الأعلى مشاهدة في تاريخ الأخبار الكابلية الأمريكية، ثم جاءت لحظة الفصل من Fox News عام 2023، دون توضيح رسمي للأسباب.
يرى أن قرار إقالته لم يكن مرتبطًا بنسبة المشاهدة، بل باختلاف في الرؤية والسردية. ويؤكد أنه كان يعلم مسبقًا أن طرح بعض القضايا – خاصة ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا ودور واشنطن – سيكلّفه منصبه.
ومع ذلك، يقول إنه ممتن لتلك اللحظة، لأنها منحته استقلالًا كاملًا بعيدًا عن قيود المؤسسات الكبرى.
مقابلة بوتين… كسر المحظور
أكثر محطاته إثارة للجدل كانت مقابلته للرئيس الروسي Vladimir Putin، في وقتٍ كانت فيه الحرب الروسية الأوكرانية في أوجها.
برر كارلسون اللقاء بأنه محاولة لتمكين المواطن الأمريكي من سماع وجهة النظر الروسية مباشرة، معتبرًا أن الإعلام الأمريكي لم يفسح المجال لذلك.
منتقدوه رأوا في المقابلة ترويجًا لرواية الكرملين، فيما اعتبر هو أن منع الحوار أخطر من السماح به.
وفي السياق نفسه، عبّر عن إعجابه ببعض الجوانب الإدارية في موسكو، معتبرًا أن مقارنة أداء المدن الكبرى قد تكون وسيلة لانتقاد الأداء الداخلي الأمريكي.
الإعلام بين السردية والسلطة
من أبرز أطروحاته أن المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تعمل بدافع الربح فقط، بل لخدمة مصالح “المساهمين الحقيقيين” في النظام السياسي والاقتصادي.
يرى أن وسائل الإعلام تصوغ “قصة” كبرى، ثم توزّع الأدوار داخلها، بينما يتم تهميش الأسئلة الجوهرية التي قد تهدد البنية الأساسية للنظام.
كما يعتقد أن منصات التواصل الاجتماعي تخضع لضغوط حكومية مباشرة وغير مباشرة، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها.
موقفه من إسرائيل والسياسة الخارجية
في أحد أكثر تصريحاته إثارة للجدل، انتقد كارلسون ما اعتبره “انحيازًا مفرطًا” من بعض الساسة الأمريكيين تجاه إسرائيل، وعلى رأسهم رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu.
لكنه يميز – بحسب قوله – بين انتقاد سياسات دولة أجنبية، وانتقاد المسؤولين الأمريكيين الذين يضعون مصالح الخارج قبل الداخل.
ويؤكد أن غضبه موجّه بالأساس إلى قادة بلاده، لا إلى قادة الدول الأخرى.
الدين والقيادة… بعدٌ روحي في الخطاب
كارلسون، الذي يعرّف نفسه كمسيحي ملتزم، يكرر فكرة محورية:
“لسنا آلهة… ويجب ألا نكذب.”
يرى أن أي حضارة يمكن إنقاذها بقاعدتين:
1.الاعتراف بحدود الإنسان أمام الخالق.
2.الامتناع عن الكذب على الشعوب.
هذا البعد الروحي أصبح أكثر وضوحًا في خطابه بعد خروجه من الشبكات الكبرى، حيث بات يتحدث عن التواضع والاعتراف بالأخطاء، بما في ذلك دعمه السابق لحرب العراق.
بين الغضب والمراجعة
لا يخفي كارلسون أنه شخصية حادة، ويعترف بأنه فقد أعصابه مرارًا في مسيرته، وأنه ندم على بعض المواقف. لكنه يؤكد أن مشاعره – خصوصًا غضبه تجاه ما يراه إخفاقًا قياديًا – صادقة وليست تمثيلًا إعلاميًا.
يقول إن الشهرة السريعة في شبابه لم تكن صحية، وإن الإحراج العلني أحيانًا قد يكون درسًا ضروريًا للنضج.
سؤال المرحلة: نحو عالم متعدد الأقطاب
في قراءته للتحولات الدولية، يرى أن مرحلة الهيمنة الأمريكية الأحادية انتهت، وأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية تشمل الصين وروسيا ودول الخليج والهند وتركيا وغيرها.
ويحذر من خطر الفوضى خلال فترات الانتقال، معتبرًا أن أسوأ ما قد يصيب الدول هو غياب الوضوح حول من يحكم ومن يقرر.
خاتمة: ظاهرة أم عرض لمرحلة؟
سواء اتُّفق معه أم اختلف، يبقى تاكر كارلسون ظاهرة إعلامية لا يمكن تجاهلها.
هو ابن المؤسسة التي انتقدها، ونتاج النظام الذي يهاجمه، وصوت شريحة واسعة تشعر بأن أسئلتها لم تُطرح بما يكفي.
يبقى السؤال الأكبر:
هل يمثل كارلسون تمردًا فرديًا على السردية الرسمية؟
أم أنه انعكاس لتحول أعمق في المزاج الغربي تجاه السلطة والإعلام والسياسة الخارجية؟
الإجابة ربما لا تتعلق بشخصه وحده، بل بالمرحلة التي يمر بها العالم كله.
اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
