أ. جمال بنون

عندما يتحول الشارع إلى غابة، والمنزل إلى سجن صوتي، ندرك أننا أمام أزمة حضارية بامتياز، ففي قلب الأحياء السكنية التي بنيت لأمان الأطفال وراحة كبار السن، تحول الليل إلى كابوس مستمر، حيث تتحول السيارات إلى وحوش معدنية تعوي في الظلام، وتصبح الشوارع مسرحًا لاستعراضات الهياج والتفحيط، بينما يقف المارة مكتوفي الأيدي يراقبون الموت يمر بسرعة جنونية أمام أبواب منازلهم. هذه ليست مشهدًا من فيلم أكشن، بل هي واقع يعيشه سكان أحياءنا يوميًا، واقع فرضته ثقافة الشارع المفلترة، حيث أصبحت السيارة امتدادًا للذات المتوحشة، والمنبه المعدل بمثابة بيان هوية صاخب، يصرخ “أنا موجود” حتى ولو على حساب نوم المرضى وراحة الأطفال وطمأنينة كبار السن.

تبدأ القصة عندما يغرب الشمس، فتتحول الشوارع الفرعية إلى حلبات سباق غير شرعية، حيث يتبارى الشباب في من يصنع أكبر قدر من الضجيج، ومن يحقق سرعة أعلى في مسافة أقصر، ومن يستطيع إيقاظ أكبر عدد من السكان دون أن يلتفت لمن حوله، وفي هذا المشهد المزعج تبرز ظاهرة الكافيهات التي انتشرت كالفطر في كل زاوية، فتحولت الأحياء السكنية الهادئة إلى مناطق تجارية مزدحمة، حيث تفتح المقاهي أبوابها حتى الساعات الأولى من الفجر، مستقطبةً الشباب الذين يملؤون الشوارع بسياراتهم، فيلفلفون حول المنازل مرات ومرات، كأنهم في سباق استنزاف لصبر السكان، ويتركون وراءهم زحمة لا تنتهي وضجيجًا لا ينقطع.
لكن الأخطر في هذا المشهد ليس مجرد الإزعاج، بل الخطر المحدق بالأرواح، فكبار السن الذين يخرجون في ساعات الفجر المبكرة يجدون أنفسهم في مواجهة سيارات تندفع كالسهام في ظلام لا يرحم، والأطفال الذين يلعبون أمام منازلهم يصبحون أهدافًا متحركة لسيارات تسير بلا رادع، والمرضى الذين يحتاجون للهدوء والراحة يجدون أنفسهم محاصرين في دوامة صوتية لا تنتهي، حتى أن المنبهات المعدلة أصبحت أداة تعذيب نفسي، تطلق أصواتًا صارخة تخترق جدران المنازل وتصحي النائمين من أعماق نومهم، في مشهد يعكس غيابًا تامًا للوعي الاجتماعي والإنساني.

وراء كل هذا، تكمن أزمة أعمق تتعلق بتحول الأحياء السكنية إلى مناطق استثمارية عشوائية، حيث أصبحت البلديات تمنح تراخيص الكافيهات في كل مكان دون مراعاة للبنية التحتية أو طبيعة المنطقة، فتتحول الشوارع الضيقة إلى طرقات رئيسية مزدحمة، وتضيع هوية الحي السكني في بحر من الإعلانات والأضواء والضجيج، وهنا يتقاطع البُعد الاقتصادي مع الاجتماعي، فالاستثمار التجاري يأتي على حساب جودة الحياة، والربح السريع يتفوق على صحة السكان وسلامتهم، في معادلة ظالمة تجعل من السكان ضحايا لقرارات لم يشاركوا فيها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تستمر هذه الظواهر رغم وضوح أضرارها؟ الجواب يكمن في غياب الرقابة الفعلية وتراخي تطبيق العقوبات، فالجهات الرقابية التي يفترض أن تكون عيون المجتمع على الشارع غالبًا ما تكون غائبة عن الأحياء الداخلية، منشغلة بالطرقات الرئيسية والمحاور الكبرى، تاركةً الشوارع الفرعية بلا حماية ولا متابعة، والبلديات التي يجب أن تراقب التراخيص التجارية تغض الطرف عن المخالفات مقابل رسوم تجديد، بل وتمنح تراخيص جديدة دون دراسة تأثيرها على حياة السكان، فيما تظل شكاوى المواطنين حبيسة الأدراج أو تتحول إلى أرقام في تقارير لا يقرأها أحد، والسكان يدفعون الثمن من صحتهم وأعصابهم وأحيانًا من أرواحهم، وعندما يحاولون الشكوى، يجدون أنفسهم في متاهة بيروقراطية معقدة، تتطلب توثيقًا وإثباتًا وانتظارًا طويلًا، بينما يستمر المخالفون في فعلهم بلا عقاب، وكأن القانون مكتوب للقراءة لا للتطبيق.
لكن المشكلة لا تقتصر على الجهات الرسمية وحدها، بل تمتد لتشمل أزمة قيمية عميقة في المجتمع، فالشاب الذي يفحط في شارع سكني لم يولد هكذا، بل نشأ في بيئة لم تعلمه احترام الآخرين، وتربى في أسرة لم تغرس فيه قيمة المسؤولية الاجتماعية، ونما في مجتمع يمجد القوة ويحتقر الهدوء، ويعتبر الصخب رجولة والسرعة شجاعة، وهنا يبرز دور الأسرة كخط دفاع أول، فالأب الذي يسمح لابنه بتعديل منبه السيارة أو يصمت عن تفحيطه يشارك في صناعة هذا الوحش، والأم التي لا تعلم أبناءها احترام حقوق الجيران تساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي، والمجتمع الذي يتفرج على المخالفات دون أن يتدخل يصبح شريكًا صامتًا في الجريمة، فالمسؤولية ليست فردية فقط، بل جماعية، تبدأ من البيت وتمتد للشارع، وتتطلب وعيًا حقيقيًا بأن حريتي تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.
هنا يبرز الحل في العودة للأساسيات، للبنية التحتية البسيطة التي أثبتت فعاليتها عبر العقود، فالمطبات الصناعية التي تبطئ السيارات اجبارًا، ولوحات المسارات التي تحدد مسار كل مركبة، ونظام تحديد السرعة الواضح الذي يمنع المجازفة، كل هذه الأدوات التقليدية التي لا تحتاج لتقنيات معقدة أو ذكاء اصطناعي، قادرة على إعادة النظام للشارع وإعادة الأمان للسكان، لكن الحلول التقنية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع حلول اجتماعية، مثل تفعيل دور لجان الأحياء في المراقبة والإبلاغ، وتمكين السكان من المشاركة في صنع القرارات التي تمس حياتهم، وإطلاق حملات توعية تستهدف الشباب وتعيد تعريف مفهوم الرجولة والقوة، بحيث يصبح الاحترام قيمة أعلى من الصخب، والمسؤولية أشرف من التهور، كل هذا شرط أن يترافق بإرادة حقيقية لتطبيق القانون ورغبة صادقة في حماية جودة الحياة، وعقوبات رادعة تجعل المخالف يفكر ألف مرة قبل أن يزعج حيًا بأكمله.
فالشارع ليس ملكًا لأحد، بل هو فضاء مشترك يجب أن يحترم فيه الجميع حقوق الآخرين، والمنزل ليس مجرد بناء، بل هو ملاذ يستحق صاحبه أن يجد فيه الهدوء والأمان، وعندما يتحول الشارع إلى مصدر تهديد والمنزل إلى سجن صوتي، فإننا أمام انهيار للعقد الاجتماعي الذي يجب أن ينظم حياتنا المشتركة، ولا سبيل لإصلاح هذا إلا بعودة الدولة لدورها في حماية المواطن، وعودة المواطن لدوره في المطالبة بحقوقه، وعودة الأسرة لدورها في التربية على القيم، وعودة المجتمع لدوره في الرقابة الذاتية، في تعاون متكامل يعيد للأحياء السكنية روحها الإنسانية، ويمنع تحولها إلى غابات معدنية تتقاتل فيها الآلات على من يصنع أكبر ضجيج، ومن حقق سرعة أعلى نحو الهاوية.


اكتشاف المزيد من المنتدى الدولى للصحافة والإعلام

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً